
د. عبدالله الفلاح
استشاري طب الأطفال وعلم الجينوم الطبي والجزيئي
لقاء د. عبدالله الفلاح
بدايةً، نود أن تعرّفنا بنفسك، وكيف بدأت رحلتك في الطب والبحث العلمي؟
أنا الدكتور عبدالله حامد الفلاح، استشاري طب الأطفال وعلم الجينوم الطبي والجزيئي
بداية رحلتي في الطب كانت من كلية الطب بجامعة الجوف، حيث تخرجت وكنت الثاني على الدفعة. من وقتها كان عندي اهتمام واضح بمجال الجينات، وكنت عارف أني أبغى أتجه له، لكن المسار ما كان مباشر.
كان أمامي خيارين: إما طب الأطفال أو طب الباطنة. خلال فترة الامتياز جرّبت الاثنين، لكن بصراحة كنت أميل أكثر لطب الأطفال. بالإضافة إن في ذلك الوقت لم يكن هناك مسار واضح للتخصص الدقيق في الجينات بعد الباطنة داخل السعودية، وكان يتطلب الابتعاث للخارج، وهذا كان أحد العوامل اللي خلّتني أختار طب الأطفال.
بعدها التحقت بالبورد السعودي لطب الأطفال في مستشفى قوى الأمن في الرياض، وخلال هذه الفترة بدأت أولى خطواتي في البحث العلمي. في البداية كنت مشاركًا في الأبحاث، خصوصًا في جمع البيانات والتقييم السريري للحالات. كانت تجربة جديدة بالنسبة لي، لأننا ما كنا متعودين على الكتابة البحثية بشكل كبير.
أول بحث شاركت فيه كان في عام 2020، وكان بإشراف الدكتور ستيش، واللي كان له دور مهم لاحقًا كموجه في مسيرتي البحثية.
بعد الانتهاء من البورد، التحقت بزمالة الجينات الطبية في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث. خلال هذه المرحلة بدأت مشاركتي في الأبحاث تزيد بشكل أكبر، لكن لا تزال في إطار العمل الجماعي أكثر من قيادة المشاريع.
النقلة الحقيقية كانت بعد إعلان برنامج التخصص الدقيق في الجينات الجزيئية السريرية. شعرت أنها فرصة مهمة جدًا، فالتحقت به، ومن هنا بدأت فعليًا أشتغل بشكل أعمق في البحث والكتابة العلمية.
بإشراف وتوجيه من الدكتور ستيش، بدأت أكتب وأقود مشاريع بحثية، وكان من أبرزها وصف جين جديد وكان هذا من أوائل الأبحاث التي شعرت أنها تمثلني فعلاً كباحث المرتبط بحالات فشل نخاع العظم الوراثي OSM
ومن بعدها، بدأت المهارة تتطور بشكل تدريجي، وصار عندي قدرة أكبر على قيادة الأبحاث والعمل على الحالات بشكل أعمق وأكثر استقلالية...
هل كانت هناك لحظة أو تجربة شكّلت توجهك نحو الجانب الجيني أو البحثي في الطب؟
ما أعتقد أن كانت هناك لحظة واحدة محددة شكّلت توجهي، لكن كان في اهتمام مبكر جدًا بهذا المجال. أذكر في التسعينات وبداية الألفينات كان موضوع الجينات يعتبر من المواضيع البارزة في الإعلام، سواء في المسلسلات أو الأفلام وحتى ألعاب الفيديو.
مثلًا فيلم (جوراسيك بارك) كان يطرح فكرة الاستنساخ بشكل مبسط وجذاب، وكذلك فيلم (جاتاكا) الذي ناقش فكرة التحكم في الصفات الوراثية ومستقبل الإنسان بناءً على جيناته. وحتى في الألعاب مثل (ميتال غير سوليد)، كان فيه طرح لفكرة الهوية البيولوجية وتأثيرها. هذه الأمثلة كانت تثير الفضول بشكل كبير.
لكن التحول الحقيقي بدأ لما دخلت كلية الطب. في السنة الأولى كان عندنا مقرر اسمه الإنسان والبيئة، وكان فيه جزء يتكلم عن الحمض النووي ودوره في الأمراض. وقتها كان التركيز بشكل كبير على السرطان، وكيف أن الخلل في دورة الخلية ممكن يؤدي إلى تطور المرض.
أذكر أن هذا الجزء تحديدًا كان ممتع جدًا بالنسبة لي، خصوصًا لما كنا نتكلم عن الأجزاء التي تحمل الشفرة الوراثية والأجزاء التي لا تحملها، وكل التفاصيل المرتبطة فيها. كان في نوع من الانجذاب الطبيعي لهذا المجال.
ومع الوقت بدأت أبحث بشكل أعمق، وبدأت تتضح لي نقطة مهمة: أن الجانب البحثي في الجينات ليس شيء إضافي، بل هو جزء أساسي من التخصص نفسه. المجال لا يزال في تطور مستمر، وهناك اكتشافات متواصلة تربط بين جينات معينة وأمراض محددة، وكذلك تطوير علاجات مبنية على هذا الفهم.
ومن هنا تحول هذا الاهتمام إلى مسار واضح، يجمع بين العمل السريري والبحث العلمي بشكل متكامل.
ما المشروع أو الإنجاز الأقرب لك خلال مسيرتك؟ ولماذا؟
ربما الإنجاز الأقرب لي هو العمل على تطوير رعاية ما قبل الولادة، وهو البحث الذي سيُنشر قريبًا بعنوان
"تحسين رعاية ما قبل الولادة في المجتمعات ذات معدلات زواج الأقارب المرتفعة، وأثر إنشاء فريق متعدد التخصصات"
تكمن أهمية هذا العمل في أنه يركّز على مجتمعات ترتفع فيها معدلات زواج الأقارب، مثل المملكة العربية السعودية، حيث تكون بعض الأمراض الوراثية المتنحية أكثر شيوعًا، مع ارتفاع احتمالية تكرارها داخل العائلات.
ما يميز هذا المشروع هو أنه يُعد من أوائل المبادرات المنظمة على نطاق واسع في المملكة، والتي تهدف إلى تطوير التقييم الوراثي قبل الولادة من خلال إنشاء فريق متخصص ، وتطبيق قوائم تقييم معيارية، إلى جانب تحسين خدمات الاستشارة الوراثية.
كما يقدم هذا النموذج إطارًا عمليًا قابلًا للتطبيق في مجتمعات مشابهة حول العالم، حيث يجمع بين التقدم في الطب الجينومي ومراعاة الجوانب الثقافية والدينية.
كيف ترى دور الجينوم والتقنية الحيوية في تغيير مستقبل الطب، خصوصًا في التشخيص والعلاج؟
الجينوم اليوم لم يعد مجرد أداة بحثية، بل أصبح جزءًا من الممارسة الطبية اليومية. أصبحنا نشوف المرضى يُحالون إلى العيادات ويُطلب لهم تحليل وراثي بهدف الوصول إلى تشخيص دقيق.
أهمية التشخيص الدقيق تكمن في أنه عندما نحدد الخلل في جين معين، ونفهم وظيفة هذا الجين وأين يعمل في الجسم، ومن ثم يصبح بالإمكان التفكير في تصميم علاج يستهدف هذا الخلل بشكل مباشر.
وهذا هو مفهوم الطب الشخصي أو الطب الدقيق، حيث يتم تصميم العلاج بناءً على التركيب الجيني لكل مريض، بدلًا من استخدام نهج علاجي موحّد للجميع.
دور الجينوم في هذا السياق كبير جدًا، لأنه يتيح لنا الوصول إلى تشخيص أسرع وأكثر دقة، وبالتالي يساعد في توجيه العلاج بشكل أفضل، وتقديم رعاية صحية مبنية على فهم عميق للحالة.
من واقع تجربتك، ما أبرز التحديات التي واجهتك، وماذا تعلمت منها؟
من أبرز التحديات التي واجهتني في البداية كانت محدودية الوعي بطبيعة الطب الجينومي ودوره الحقيقي. أتذكر من أيام الدراسة في كلية الطب، وحتى خلال فترة البورد في طب الأطفال، لم يكن هناك تصور واضح عن هذا التخصص وكيف تُمارس أدواره على أرض الواقع.
حتى عندما قررت التوجه لهذا المجال، كان هناك نوع من الاستغراب، وكأن دور طبيب الوراثة يقتصر فقط على إبلاغ المريض بالتشخيص. لكن مع الوقت اتضح أن المجال أوسع بكثير، ويشمل الوقاية، والاستشارة الوراثية، وتوجيه العلاج، والتعامل مع الأمراض النادرة بشكل متكامل.
اليوم، ولله الحمد، أصبح هناك وعي أكبر بهذا التخصص، سواء على مستوى العالم أو داخل المملكة، مع وجود مراكز متخصصة وبرامج داعمة، مما يعكس تطور المجال بشكل واضح.
التحدي الآخر كان صعوبة الوصول إلى الموارد البحثية، خصوصًا أن المرضى غالبًا يكونون موزعين على عدة مراكز، ولا توجد دائمًا قواعد بيانات موحدة تسهّل معرفة أعداد الحالات أو تتبعها، وهذا يجعل العمل البحثي أكثر تعقيدًا.
كذلك من التحديات المهمة هو التوازن بين العمل السريري والبحث العلمي. كطبيب، لديك مسؤوليات يومية في العيادة والمناوبات، وفي نفس الوقت تحتاج إلى الاستمرار في البحث العلمي والإجابة على الأسئلة الطبية من خلال الدراسات.
أما أهم ما تعلمته من هذه التحديات، فهو أن الاستمرارية والتعلم الذاتي عنصران أساسيان في هذا المجال. بالإضافة إلى ذلك، فإن بناء شبكة علاقات علمية قوية يفتح فرصًا كبيرة ويساعد في تجاوز كثير من العقبات.
كيف تقيّم واقع البحث العلمي في السعودية اليوم في مجالات الجينوم والطب الجزيئي؟
مع التوسع الكبير في توفر التحاليل الجزيئية والوراثية، أصبح استخدامها شائعًا في مختلف التخصصات الطبية، مثل طب الأعصاب، والقلب، والصدرية، والغدد الصماء وغيرها. هذا التوسع أدى إلى ظهور عدد كبير من النتائج الجينية التي لا يمكن تفسيرها بشكل كامل في كثير من الأحيان.
إضافة إلى ذلك، نلاحظ في الممارسة السريرية أن هناك اختلافًا واضحًا بين ما يتم ذكره في الدراسات العلمية وبين ما نراه فعليًا في المرضى، سواء من حيث شدة الأعراض أو طريقة ظهور المرض. وهذا يعكس وجود اختلافات جينية خاصة بمجتمعاتنا، لم يتم دراستها بشكل كافٍ حتى الآن.
واقع البحث العلمي في هذا المجال داخل المنطقة لا يزال محدودًا مقارنة بالحاجة الفعلية. هناك فجوة واضحة في ربط البيانات الجينية بالحالات السريرية، وفي فهم طبيعة الأمراض ضمن سياقنا السكاني.
لذلك، هناك حاجة كبيرة جدًا لإجراء أبحاث محلية في مختلف التخصصات، ودمج المعلومات الجينية ضمن دراسة الأمراض. وإذا لم نقم نحن بهذه الأبحاث، فلن يقوم بها أحد بالنيابة عنا.
ماهي الفرص التي تراها واعدة للشباب في هذا المجال؟
أولًا، في مجال تحليل البيانات الجينية أو المعلوماتية الحيوية. مع التوسع الكبير في طلب التحاليل الجينية، سيزداد حجم البيانات بشكل كبير، وبالتالي ستكون هناك حاجة متزايدة لمتخصصين قادرين على تحليل هذه البيانات واستخراج النتائج منها. حاليًا العدد لا يزال محدود.
ثانيًا، الطب الشخصي. هذا المجال سيؤثر على جميع التخصصات الطبية تقريبًا، بحيث يصبح لكل طبيب دور في تطبيق المفاهيم الجينية على المرضى، وتصميم العلاج بناءً على الخصائص الجينية لكل حالة.
ثالثًا، الاستشارة الوراثية. مع التوسع في الفحوصات الجينية، خاصة برامج ما قبل الزواج، تزداد الحاجة إلى مستشارين وراثيين مؤهلين. وجود برامج تدريبية وشهادات متخصصة في هذا المجال سيفتح فرصًا كبيرة للشباب.
رابعًا، الأبحاث السريرية. هذا المجال واسع جدًا ويحتاج إلى متخصصين في مجالات دقيقة متعددة، خاصة مع الحاجة لفهم الأمراض بشكل أعمق ضمن سياقنا المحلي.
بشكل عام، هذا المجال لا يزال في مرحلة نمو، والجيل الجديد أمامه فرصة حقيقية ليس فقط للمشاركة، بل لقيادة هذا التخصص في المستقبل.
ما نصيحتك لمن يرغب في الجمع بين الطب والبحث العلمي؟
أهم نصيحة أقدر أقدمها هي البحث عن مشرف أو موجه فعليًا لديه الرغبة في التعليم. وجود الشخص الصحيح في بداية الطريق يحدث فرقًا كبيرًا.
الكتابة البحثية والعمل العلمي هي مهارة مثل أي مهارة أخرى، لا تُكتسب فقط بالقراءة، بل تحتاج إلى ممارسة مستمرة وتدريب فعلي. لذلك وجود موجه يوجّهك، ويعطيك ملاحظات، ويساعدك على تطوير أسلوبك، يعتبر عامل أساسي في بناء هذه المهارة.
ومع الوقت، ومع الاستمرار، تتحول هذه المهارة إلى جزء من طريقة تفكيرك وعملك اليومي.
ما تصورك لمستقبل الجينوم والتقنية الحيوية في السعودية، خاصة في ظل رؤية 2030 والاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية وكذلك برنامج الجينوم السعودي؟
أنا متفائل جدًا بمستقبل الجينوم والتقنية الحيوية في السعودية.
وجود برامج وطنية مثل مشروع الجينوم السعودي سيسهم في إحداث نقلة نوعية في فهم وتقييم المتغيرات الجينية، وهذا بدوره سيسهّل تطبيق الطب الجينومي في الممارسة الطبية.
كما سيساعد هذا التوجه بشكل كبير في الأبحاث السكانية، ودراسة المتغيرات الجينية التي قد لا تكون مرتبطة بشكل مباشر بالأمراض، لكنها تؤثر على نمط الحياة والاستجابة الصحية بشكل عام.
إضافة إلى ذلك، فإن التكامل بين الجينوم والتحول الرقمي سيفتح المجال بشكل واسع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب، سواء في تحسين دقة التشخيص أو في تطوير علاجات أكثر تخصصًا.
بشكل عام، أنا متفائل جدًا بأن هذا المجال سيشهد تطورًا كبيرًا خلال السنوات القادمة، وسيكون له تأثير مباشر على جودة الرعاية الصحية في المملكة.
في رأيك، ما أبرز الفرص الواعدة التي تنتظر المتخصصين في علوم الجينوم و التقنية الحيوية اليوم؟ وهل الجيل الجديد مؤهّل لاقتناصها؟
أعتقد أني أجبت بشكل غير مباشر على هذا السؤال سابقًا، من ناحية الاحتياج لمجالات مثل تحليل البيانات الجينية، والاستشارة الوراثية، وتطبيقات الطب الدقيق.
لكن لو نلخص أبرز الفرص اليوم، فهي تتمثل في هذه المجالات التي تشهد نموًا سريعًا، مع زيادة الطلب على التحاليل الجينية والتوسع في استخداماتها في مختلف التخصصات الطبية.
كما أن هناك فرصًا كبيرة في تطوير الأبحاث السريرية، وربط البيانات الجينية بالممارسات الطبية، خاصة في مجتمعاتنا التي لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات المحلية.
أما بالنسبة للجيل الجديد، فأعتقد أنه مؤهل بشكل كبير لاقتناص هذه الفرص. اليوم الوصول إلى المعرفة أسهل، والموارد التعليمية متوفرة، وهناك وعي أكبر بأهمية هذا المجال مقارنة بالسابق.
لكن الاستفادة الحقيقية من هذه الفرص تعتمد على المبادرة، والتعلم المستمر، وتطوير المهارات العملية، خصوصًا في الجوانب التطبيقية مثل تحليل البيانات والبحث العلمي.
وأخيرًا، لو أُتيحت لك دقيقة لتوجيه كلمة لكل شاب أو شابة في السعودية أو في وطننا العربي يطمحون للعلم والمعرفة، ماذا تقول لهم؟ وكيف ترى دورهم في بناء مستقبل علمي مزدهر يليق بطموحات أوطاننا؟
أؤمن أن على الباحثين والأطباء والعلماء مسؤولية أخلاقية تجاه مجتمعاتهم، وهي السعي لاكتشاف وفهم المتغيرات الجينية الخاصة بمجتمعاتنا، والعمل على تطوير وسائل تشخيص وعلاج لها.
لا أحد سيقوم بهذا الدور بدلًا عنا. نحن الأقدر على فهم احتياجات مجتمعاتنا، ونحن المسؤولون عن بناء هذا المسار العلمي.
هذه الجهود لن تنعكس فقط على المرضى داخل بلداننا، بل يمكن أن تمتد فائدتها إلى العالم أجمع، وتساهم في خدمة الإنسانية بشكل أوسع.
لذلك، أنصح كل شاب وشابة بأن ينظروا إلى العلم والبحث بهذه النظرة: ليس فقط كمسار مهني، بل كرسالة ومسؤولية،
وأتمنى لهم كل التوفيق في رحلتهم العلمية.
